العلاقات السنغالية الغامبية في ظل الأزمة السياسة الراهنة لغامبيا.. قراءة في المسار والآفاق

العلاقات السنغالية الغامبية في ظل الأزمة السياسة الراهنة لغامبيا.. قراءة في المسار والآفاق

بقلم الدكتور محمد بشير جوب السنغالي / باحث في القانون الدولي - اسطنبول

ظلّت سنغامبيا دولةً واحدةً اجمعت على رابطة الدم والتاريخ والجغرافية لقرون طويلة، شكّلت هذه الرابطة هويّةً واحدةً زيّنتها حُلّة التَنوُّع الثقافي والعرقي الأصيل، تولّد من خِضمّ هذا الشّعب مجتمعٌ متماسكٌ، انْبَنتْ أسسه على قيمٍ نبيلةٍ ومشتركةٍ، تتجلّى في جميع مظاهرحياتهم، فهي بكلّ بساطة دولة واحدةُ في شعبٍ فريدٍ من نوعه، اللّغة فيها والنّبرة واللّبس والفنُّ والأعراف والتقاليد كلُّها منظومةٌ منفردةٌ تعكس خاصِّيةً واحدةً عنوانها أمّة فريدةٌ عاشت تاريخاً ضارباً في الجذور، وهي اليوم تكافح حاضرها يداً واحدة لتكتب مصيرها بنفسها، فبعد أن اكتشف البرتغاليون المنطقة في أوائل سنة 1444،( ) وصل إليها أول وفدٍ للمستبشرين من الكنيسة الكاثوليكية الرومانية سنة 1460م،( ) بعده بقرن وصل المستعمر الانجليزي بالتحديداً سنة 1580م، ليسيطر على أجزاء غينيا متضمّناً نهريْ السنغال وغامبيا، في حين وصل الفرنسيّون إلى مدينة “سانت لويس” سنة 1638م، ( ) وهي أقدم مستعمرِ لهم في غرب أفريقيا، لتتصاعد بعد ذلك وتيرة التنافس من أجل السيطرة على الإقيلم، والذي كان يدور رحاه بين المستعمرين الانجليزي والفرنسي؛ انتهت بتقسيم المنطقة وإخراجها عن طبيعتها الجغرافية والديموغرافية.

فبعد نهاية حرب السنوات السبعة بين فرنسا وانجلترا وإسبانيا، سيطرت فرنسا على جزيرة “غوري” في حين وضع الانجليز اليد على نهر غاميبا، في هذه الفترة كان التنافس بين المستعمر الفرنسي والانجليزي والإسباني في أشده، وتحاشياً للوقوع في قتال بينهم، وقعت هذه الدول معاهدة فرساي سنة 1783م، ( ) وكانت من نتائجها أن تبقى السنغال تحت سلطة فرنسا بينما تبقى انجلترا مُحافِظةً على سيطرتها على نهر غامبيا ومستعمرةً لها، استسلمت سنغامبيا لهذا الواقع غير الطبيعي؛ الذي فصّل شعبها لأول مرةِ في تاريخه، وشقَّ كلّ جهة من الشعبين، جبهةً للنّضال المباشر مع المحتل، واتفقت الجبهتان في أغلب أشكال المقاومة؛ إلاّ أنها أفرزت نتائجَ لم تكن في الحسبان؛ حيثُ كرّست النتائج ما دَوّنه المحتل في مجرَّدِ اتّفاقِ ثلاثيِّ مشؤوم، وهو تشكّلُ دولتين لشعب واحد، ففي سنة 1960م، رجع الوفد السنغالي المفاوض بالاستقلال، بينما الوفد الغامبي لم يمنحه المستعمر الانجليزي إلا حكماً ذاتياً تحوّل فيما بعد إلى استقلالٍ كاملٍ، كان ذلك بالتحديد سنة 1965م، ( ) وهكذا أصبح الشّعبُ الواحد نتيجة تنافس القوى المستعمرة موزّعاً في حدود موهومة، أفرز دولتي السنغال وغامبي

منعرجات تاريخ العلاقة بين البلدين:

غدت غامبيا دولةً ممتدة في الداخل السنغالي، ووضع الواقع الجديد صنّاعَ القرار في كلتا الدولتين أمام مسؤولية تصحيح التاريخ والعودة إلى الطبيعة، الأمر الذي استشفَّه بعض المسؤولين حتى لَوَّحوا الرئيس “سنغور” طلب ضمِّ غامبيا إلى السنغال، وذلك بعد تلميحات من الجانب الفرنسي تعطي الضوء الأخضر للرئيس “سنغور” للقيام بذلك،( ) إلّا أنّ الرجل الأديب رفض القيام بهذه المغامرة غير مضمونة النتائج، وانْصاع لتوصية لجنة الأمم المتحدة المُفوَّضة لتقييم وضع البلدين سنة 1962م، ( ) حيث أعطت اللّجنة الطرفان ثلاثة خياراتِ ممكنةِ هي (اندماج – اتحاد فدرالي – شراكة)، استبعد الطرف الغامبي فكرة الاندماج، ( ) كما أن نجاح الخيار الثاني ظلّت محلّ شكِ خاصةً بعد الفشل الذريع للكونفدرالية السنغالية المالية قبله بسنتين فحسب، رجّحَ “سنغور” الخيار الثالث، ودخل مع غامبيا في علاقات دبلوماسيّةٍ طبيعيّةٍ، ووقّعت الدولتان على أول اتّفاقية شراكةِ بينهما بعد استقلال غامبيا في أبريل 1967م، وبعد التوقيع بشهرين اجتمعت الدولتان في اجتماع وزاريّ ثنائيّ، ( ) كان الغرض فيه النظر في سبل تنفيذ اتفاقيات الشراكة بين البلدين، ومساعدة غامبيا للدخول في صندوق النقد الدولي، الأمر الذي تحقّق في السنة نفسها.

كان هذا التطوّر الأول من نوعه منذ استقلال البلدين؛ بمثابة افتتاحِ لدخول البلدين في علاقاتِ ستتحّكم عليها في المستقبل واقعٌ متذبذبٌ وإراداتٌ متضاربةٌ، فظلّت العلاقات تصعد تارةً تدفعها همّةُ بعض الحريصين من الجانبين نحو العلى المنشود، وتارةً تهبط إلى أدنى مستوًى لها؛ نتيجة تقلُّباتِ في أحداثِ تربط البلدين، استمرّ “سنغور” الأديب في سياسة الدبلوماسية الناعمة التي سعت فيها للجمع بين البلدين على مستوى عال من الشراكة الاقتصادية، من خلال استغلال الموارد الطبيعية للبلدين وكان رئيس وزرائه “محمد جاه” يشاطره الرأي في نفس هذا التّوجُّه، ما جعلهما يعملان على رفع مستوى هذه العلاقات من خلال توقيع اتّفاقيّة أخرى أنشئت بموجبها الأمانة العامة لــ سنيغامبيا في “بانجول”، وما إن تقرّرت هذه الرغبة بين البلدين؛ إلا أن انقلبت عكساً معلنةً أوّل أزمة تقع بين البلدين، وجهت فيها غامبيا اتّهاماً إلى “سنغور” بمحاولة إضعاف الاقتصاد الغامبي، خرجت إثرها مسيراتٌ احتجاجيّةٌ في “بانجول” قُوبلت بغضبٍ شديدٍ من الطرف السنغالي،  ومع إعلان غامبيا جمهوريّةً بقيادة الرجل الكارزمي الرئيس “داود جاورا” لم تنته فترة حكم الأديب السياسي “سنغور” إلا وحدثت أزمتان بين البلدين وقعت أحدها في 1971م،  والأخرى في 1974م، بعدهما أقبلت الدولتان على عهد جديدٍ كان مُحرِّكه الأساسي الرئيس “عبد جوف”.

في يوليو سنة 1981م؛ انتفضت مجموعة من ضباط الجيش الغامبي بهدف الإطاحة بنظام  “داود جاورا” ولم يجد الأخير وسيلةً لإفشال الانتفاضة إلا بالاستعانة بالسنغال، تدخّل الجيش السنغالي بقوّةِ دفاعاَ عن شرعيّة “جاورا” وكلّفها هذا التدخل 160 شهيداً من قواته ( ) إلا أن نجاح العملية ذكّر الطرفين حجم العلاقة الاستراجية التي تجمهما، وحفّزهما للدخول في اتّحاد فدرالي دخل حيّز التنفيذ في يناير 1982م، ( ) ومن أجل إنجاح هذا المشروع، اتّفقتْ الدولتان على حسم بعض الأمور الشكليّة والجوهريّة كالّتي تعلّقت بالدفاع المشترك، والحكومة المشتركة، والبرلمان المشترك، إضافةً إلى إنشاء الأمانة العامة للبلدين، إلاّ أن مسائل أخرى جوهريةً بقيت عالقةً بين البلدين؛ بعضها تعلقت بالسيّاسة النقديّة؛ حيث اقترحت السنغال على غامبيا سياسةً نقديّةً موحّدةً؛ بينماعارضت الأخيرة هذا التوجّه،  وبعضها تعلّقت بالنظام الضريبي بين الجانبين، إضافةً إلى الطلب السنغالي المتعلق بإنشاء جسر يربط المركز السنغالي بجنوبها ؛ حيث لم يلق هذا الطلب تحمّساً من الجانب الغامبي( ) دام الاتحاد الفدرالي بين البلدين 8 سنواتٍ لينتهي في سبتمبر 1989م، وأظهر جليّاً أن السبب الرئيس في فشل الاتحاد، كان في ضعف الإرادة لدى الطرف الغامبي؛ حيث أرادت غامبيا اختزال الأمر في الجانب العسكري فقط  تضمن به أمنها الداخلي، بينما ظلّت متصلّبةً تجاه السنغال، وممتنعاً لدخول معه في نظام اقتصادي وضريبي موحّد الذي يعتبر من أهم مستحقات الدخول في اتحاد فدرالي كهذا، أثار هذا التوجُّس من الطرف الغامبي حفيظة السنغال، ما أدى إلى سحب “عبد جوف” قوّاته من غامبيا، ليُعلَن بعد ذلك نهاية الاتحاد، وإبداله بتوقيع اتّفاق شراكةٍ ثنائيةٍ.

لم يكن في حسبان أحد أن يوم 22 يوليو 1994م، سيُسجّلُ بداية تاريخٍ جديدٍ، يكون له الأثر البالغ في مستوى العلاقات بين البلدين، رجع مجموعة ضبّاط متحمّسين من الجيش الغامبي من بعثة للأمم المتحدة، ليتجهوا مباشرةً إلى القصر مطالبين مستحقّاتهم، فجأةً تحوّل الأمر إلى انقلابٍ عسكري دمويٍّ مهندسه “يحيى جامي” الضابط البالغ من العمر 29 سنة لاذ الرئيس الشرعي “جاورا”بالفرار؛ طالباً اللجوء إلى السنغال، وصار بعده “يحيي جامي” رئيساً سيكون مسؤولاً أمام التاريخ عن عدم تَحقُّقِ أي تقدّمٍ إيجابيٍّ في علاقات البلدين طيلة فترة حكمه، وسيشهد صراع الجنوب السنغالي تصعيداً لم يشهده تاريخ الصراع منذ بدايته( )، لتتعرض مصلحة السنغال لخطر يدفع ثمنه الشعبين السنغالي والغامبي.

فترة المخاض العسير :

من الشراكة إلى اتحادٍ فدراليٍّ، ثم عودةٌ إلى شراكةٍ جديدةٍ، تلك هي أهم المنعطفات التريخيّة الّتي مرت خلالها علاقات البلدين قرابة قرنٍ ونصف قرنٍ من الزمن، إلى أن جاء العسكري الرئيس “يحيى جامي” ليفرض نفسه أمام واقعٍ لا يعرفه، ويفتقد إلى أدنى مقوِّمات الخبرة السياسية أوالسند الشعبي أو التأييد النخبويّ للقيام بشيء يذكر، والأدهى من ذلك تكريسه نظاماً استبداديًّا قضى على ما تبقى من النخبة السياسية ذوو الكفاءة المميّزة بين سجنٍ وتهجيرٍ، في حين وجد المسؤولون السنغاليين الطرق أمامهم مسدودة لدفع عجلة العلاقات إلى الأمام، ويشهد سياق الأحداث ومعطيات الواقع التي مرّعليها البلدان، أن منذ وصول “جامي” إلى السلطة بانقلابٍ عسكريٍ، ظلّ الوضع بين البلدين شبه قنبلةٍ موقوتةٍ، يمكن أن تنفجر في أي لحظةٍ؛ لولا ضبط النفس الذي تحلَّى به المسؤولون السنغاليون في التعامل مع الملَّفات العارضة.

اتَّبَع “يحيي جامي” سياسة التخويف والتهديد والمنطق الصلب مع نظيره السنغالي، تُخرِجه أحياناً من قواعد التفكير السليم، يمكن أن نذكر منها أمثلةً على سبيل المثال لا الحصر مايلي:

منذ فترةٍ طويلةٍ تعمل المؤسسات الأفريقية لتحقيق التكامل الأفريقي، وتُركّز أعمالها في جانب البنى التحتية، ومن ضمن المشاريع المستهدفة في هذه الإطار، إنشاء جسرٍ يربط الشطرين الجنوب السنغالي ومركزه، ورغم أن صندوق التنمية الأفريقي جاهزةٌ منذ 2011م، لتمويل المشروع وعبّرت السنغال عن موافقتها وحرصها لتنفيذه ظل الطرف الغامبي المتمثِّلُ في “جامي” مُتصلباَّ أمام الطرف السنغالي؛ رغم أن المشروع لايكلفها شيئا، والأغرب من ذلك مضاعفة رسوم ضريبة المرور للسائقين السنغاليين من  مبلغ 4000 فرنك سيفا إلى 400.000 فرنك سيفا ( ) في خطوةٍ مفاجئةٍ للطرف السنغالي، وللعمّال في قطاع المواصلات، وفي خطوةٍ مشابهةٍ خرج “يحيى جامي” عن العرف الدولي المعتاد، حين تقدّم إلى تنفيذ عقوبة الإعدام على جالتين سنغاليتين دون إخطار الطرف السنغالي أومرعاة علاقة حسن الجوار، ( ) تصرّفاتٌ كان يمكن أن تؤدِّي إلى حدوث عواقب وخيمةً للشعبين لولا التزام الطرف السنغالي بالنضج والصبر تعليةً للمصلحة العامة، وتقديراً لغامبيا لم يقم الطرف السنغالي باستخدام حقه الطبيعي في الرد أو المعاملة بالمثل ضد “جامي”، بل نزلت على رغبته حين مارس عليها ضغوطات متكرّرةٍ، ضدّ قرار منح اللجوء السياسي لـ “صمبا سانيا” إلى أن اضطر السنغال لنفيه فاضطرّ باللجوء إلى مالي.

على غرار كلّ مستبدِّي العالم في سياسة تعويض الشرعية، سقط يحيي جامي في امتحان الشعب السنغاغامبي نتيجة تَهوُّره الشديد وقرراته الارتجالية المتكررة، فلم يجعل أولويّته توفير أساسيّات الحياة للشّعب الغامبي، من العيش بكرامة وحرية ورفاهية، إضافة إلى ذلك توفير عمقٍ استراتيجيّ لغامبيا، من خلال إرساء سياسة حسن الجوار والاحترام المتبادل بين نظامه والسنغال التي تعتبر الشريك الأول لأمن غامبيا واقتصادها، بل فشل فشلاً ذريعًا في تحقيق ذلك، ما جعل شرعيّته في محكٍّ أمام الرأي العام الداخلي والدولي، وفي سعيٍ مُميتٍ لتعوض هذه الشرعية تمسّك “جامي” بالشكليّات والشّعارات، بداية من حمل المصحف إلى إعلان غامبيا جمهورية اسلامية، كسياسةً يكسب بها القدر الممكن من المتعاطفين من الشعب السنغامبي، وليخرج من عزلته الاقليمية والدولية.

الأزمة الراهنة والخيارات المتاحة :

في الأول من شهر ديسمبر الماضي خرج الشعب الغامبي إلى صناديق الاقتراع ليحسم أمره بنفسه، لم يَيْأس جامي للفوز بولايةِ أخرى، واستخدم سياسته المعتادة من القمع والترهيب ضدّ منافسيه البارزين، إلا أن المعارضة استطاعت أن تجتمع على “آدم بارو” الأمين المالي لحزب التجمع الديموقراطي، رغم أن الرجل ليس سياسيًّا محترفاً، لقد فرضته إرادة الشعب الغامبي ليكون الرئيس الثالث لغامبيا منذ إعلان الجمهورية، وجاء إعلان هذه النتيجة مرحباً به وغير مفاجئٍ، إلا أن قبول “جامي” الصريح لهذه النتائج رغم كونها خطوة طبيعية، جاء مفاجئاً لكثيرين بعض الشيء، ووصل الأمر عند البعض إلى حد عدم تصديقه، وتأويل الأمر على أنه خدعةٌ أو خطّةٌ يحيكها “جامي” للتمسّك بالسّلطة من جديد لا غير، مضى من هذا الاعتراف الصريح بالنتائج عشر أيام، ( ) لتنقلب الأمور رأساً على عقب، ويرجع “جامي” إلى سيرته الأولى، رافضاً نتائج الانتخابات وخارجاً عن العقل والمنطق الذي كان كثيرا ما يحيد عنه.

شكّل هذا الرفض تحدّياً جديداً لغامبيا؛ وللعالم عامّةً ولأفريقيا خاصةً؛ إلا أن مسؤولية السنغال تجاه القضية  تبقى محوريَّةً وفاصلةً، وبحكم هذه المسؤولية يجب أن تكون السنغال هي المبادر في تقديم حلولٍ حاسمٍ  وصارمٍ، يضع في الاعتبار تحقيق مصلحة الشعبين، وعلى مرالتاريخ انتهجت السنغال دوماً سياسة الحذر وعدم التدخل في السيادة الغامبية، إلا في حالاتٍ نادرةٍ، تكون بإرادةٍ معلنةٍ من الطرف الغامبي، إلا أن المتغيرات الدولية والإقليمية التي حصلت في الساحة مؤخّراً قد تجعل السنغال تعيد تقييم هذا النهج، وخاصّةً أن القيادة السنغالية الحالية تختلف إلى حد ما عن القيادات السابقة، وليس من المتصور من هذه القيادة أن تتّخذ خيارا يدعوها إلى التحمّل أكثر مما تحمّلتها طيلة 22 سنة من الحكم العسكري الذي عانى منه الشعب السنغامبي كثيراً، وكان دائماَ حجر عثرةٍ أمام أيِّ تقدّمٍ في العلاقات بين البلدين، ويمكن أن تكون خيارات السنغال متعددةً ومسندةً على الحقوق الطبيعية والتاريخية التي يكفلها له العرف والقانون، للحفاظ على مصلحتها ولحماية أمنها الوطني من كل تهديد، إضافةً إلى ما يُلزمها عليه قانونها الداخلي والضغط الشعبي من مسؤولية حماية مواطنيها، واستخدام كل الوسائل المناسبة لتحقيق ذلك، وتتأرجح خيارات السنغالين بين الخيار السلمي والخيار العسكري.

أولا: الخيار السلمي :

إلى الآن اقترب الموقف السنغالي إلى تبنِّي هذا الخيار واتَّسمت القيادة السنغالية بالهدوء والتريُّث وعدم الاستباق مع الأحداث، وترجيح العمل بتنسيق جهودها مع جهود القوى الدولية والإقليمية التي تسعى إلى حل القضية حلاًّ سلمياًّ، تتمّ فيه إعادة الاعتبار لإرادة الشعب الغامبي، إلّا أن الحنكة واليقظة تقتضي من الجهة السنغالية ألاّ تستسلم للواقع؛ أوتخضع لأي شرط مسبق يضعه “جامي” حتى وإن قبلته الجهات الإقليمية أو الدولية، لأن انعكاسات الرجوع إلى المربع الأول ستكون سالبةً على الشعبين معاً، ولذا يتحتم على السنغال أن تفرض واقعها على الرئيس المهزوم، وذلك بالتعامل مع الرئيس الشرعي المنتخب باعتباره يمثل الإرادة الغامبية، واستنفاد كل الجهود السلمية التي ستضغط الرئيس المهزوم حتى يخرج من المشهد بشكل طبيعي، ويمكن أن يُفرز هذا الخيار الذي اتخذه حالياً وفد المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا بقيادة الرئيس الليبيري (إلين جونسون سيرليف) وبدعم سنغالي النتائج الآتية:

– إرغام الرئيس المهزوم بالرجوع عن قرار التراجع بالاعتراف عن نتائج الانتخابات.

و يكون ثمن ذلك ضمان مستقبلٍ آمنٍ للرئيس المهزوم وعدم محاكمته، الأمر الذي لايبدو سهلاً نظراً لتركيبة النظام الذي كرّسه “جامي” أثناء حكمه، من بناء الجيش الغامبي على أساس عرقيّ، استحوذتها قبيلته التي تُمثّل أقليّةً في غامبيا، ما يجعل ضمان مستقبله باستثناء من كان معه في النظام من الذين تلطّخت أيديهم بالدماء؛ بمثابة تضحيتهم وتركهم فريسة للنظام القائم، تعتمد فرصة نجاح هذا الخيار على قدرة الوفد الأفريقي في إقناع النخبة المستقبلية لغامبيا، بالدخول في مصالحة وطنية، وطيِّ صفحة الماضي بإصدار عفوعام يشمل “جامي” وأفراد نظامه، الشيء الذي يمكن أن يضمن عدم خروج أي تمرد في المستقبل من أتباع “جامي” ينسف بالعرس الديموقراطي لغامبيا، ومن المتصور أن يكون الطرف السنغالي داعماً لمثل هذا التوجه.

– تقاسم السلطة بين “جامي” و “بارو” :

و ذلك عند إصرار “جامي” على هذا الشرط الذي يفاوض الآن من أجله، وإذا قبل الوفد الإفريقي بهذا سيكون بمثابة ضربة قاضية على الحلم الديموقراطي لغامبيا، من جانب آخر ضربة على المصالح السنغالية، حيث لايستبعد من “جامي” أن يلعب مع الوقت قليلا، لينقلب بعد ذلك كعادته على كل اتفاقية في هذا الشأن، وترجع بنا الأمور إلى المربع الأول.

– مفاوضات طويلة مقصودة (كسب الوقت) :

هذه من إحدى الورقات التي يلعب بها “جامي” حالياً، تَعمُّد تمديد مدة التفاوض بينه وبين الوسطاء من خلال فرض شروط تعجيزيّة خارجة عن العقل والمنطق، ومن ثم إدخال اليأس إلى المفاوضين وإلى الشعب الغامبي، ليستسلم الجميع في نهاية المطاف إلى الأمر الواقع، وتدخل غامبيا في فراغ دستوري لمدة سنة أوسنتين، يرجع بعده “جامي” مسيطراً على الوضع، من خلال تنظيم اتخابات جديدة، ويظهر من تصريحات الوزير الخارجي السنغالي أن السنغال لاتؤيد هذين الاتجاهين الأخيرين لأنها لاتصبّ في صالح البلدين.     

ثانيا: الخيار العسكري :

من يتابع التصريحات الدولية والاقليمية من المسؤولين رفيعي المستوى، أو يلاحظ الموقف السنغالي منذ بداية الأزمة في غامبيا يدرك أن الحل العسكري غير مستبعد في حال استنفاد السبل السلمية لحل القضية، وفي عهد قريب عاشت أفريقيا مثل هذه التجارب كانت آخرها ما حصل في ساحل العاج، رغم عدم وجود نقاش جادِّ في أروقة المعنيين بالقضية حول الشكل الذي سيتخذه توجه كهذا في حال الاضطرار باللجوء إلى حل عسكري، يجب أن تكون درجة وعي القيادة السنغالية على مستوى عال من التبصّر، مستخلصاً الدروس والعبر من التجارب السابقة، خاصة في المحيط الأفريقي، فمعلوم أن أي تدخل عسكري من قوات أممية أو أفريقية، غالبا ماتكون معه انتهاكات خطيرة تخدم أجندة خفية، ولذا يجب على السنغال استبعاد هذا السناريو، ولو أن خيار استخدام القوة حاصل لامحالة، فيجب على السنغال استخدام قوتها الدبلوماسية، من خلال تقديم مقترح في مجلس الأمن الذي الآن هي عضو فيه، لتحصل على تفويض أممي يمكنها من القيام بذلك، وتقدر فيه الظرف والقدر المناسب لحسم الأمر، وحينئذٍ لا يجب أن يكون مستوى وعي القيادة الحالية أقل قدراً من مستوى وعي الرئيس عبد جوف في تعامله مع أزمة 1981م، حين طلبه الرئيس “جاورا” بالتدخل لإنقاذ شرعيته.

الخاتمة :

لا أفسر العلاقة بين السنغال وغامبيا بالخطأ التاريخي كما فسرها به أحد الرؤساء السنغاليين، وإنما أفسرها بعلاقة القدرالتاريخي الذي لا يمكن الفرار منه، وتقع المسؤولية التاريخية والإنسانية على الجانبين في العمل على ما يطورها ويرفعها إلى مستوى تطلعات الشعبين، ولايجب تركها هواية لفرد واحد يتصرف فيها على نحو قد قد يقضى على مصير أمة بأكملها.

موضوعات متعلقة

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked with *

Cancel reply

أحدث الموضوعات

الكتاب الاكثر تفاعلا

الموضوعات الاكثر تعليقا

فيديوهات مميزة