باتريس لومومبا…شهاب في سماء افريقيا

باتريس لومومبا…شهاب في سماء افريقيا

#باتريس_لومومبا #أفريقيا بوست

باتريس لومومبا من الأسماء التي لا تنسي في تاريخ أفريقيا بصفة عامة وتاريخ الكونغو الديمقراطية بصفة خاصة فأسمه محفور بالذهب على كل شبر من القارة السمراء ، مناضل ضحى بحياته فكانت رخيصة زهيدة من أجل تحقيق هدفه في الحصول على الاستقلال وتدعيم الوحدة الوطنية والدعوة إلى إقامة دولةٍ كونغوليةٍ موحّدةٍ ذات حكومةٍ مركزيةٍ قوية ، وفي الوقت نفسه تنمية النشاط الاقتصاديّ لإشباع حاجات الأفراد عن طريق التوزيع العادل للدخول.
ومن ثم بات رمزاً للوطنية ومناهضة الاستعمار ليس في أفريقيا فحسب بل في العالم الثالث كله .
وهو من قال مرّة ً، منبّهاً كلّ الحالمين من حوله “أيها الأخوة الأعزّاء في الكفاح الأعزّاء في الفقر، إن استقلالنا كلمةٌ جوفاء بدون إمكانات التنمية الاقتصادية والبشرية .

نشــأته

ولد “باتريس إيمرى لومومبا” في قرية “كاتاتا كوركومبى” بإقليم “كاساى” بالكونغو الديمقراطية عام 1925، وهو ينتمي إلى قبيلة باتيليلا المنحدرة من قبيلة المونغو العريقة ، وقد تربى في أحضان أسرة كاثوليكيّة شديدة التديّن متوسطة الحال، حيث كان والده مدرساً في إحدى المدارس الابتدائية ، مما أتاح له فرصة الالتحاق بمقاعد الدراسة مع قلة من أقرانه في ذلك الوقت الذي كان فيه الاحتلال البلجيكي يحكم قبضته على مرافق البلاد بما فيها قطاع التعليم .

دراسته وتعليمه

تابع باتريس لومومبا دراسته الابتدائية والثانوية وأكملها بنجاح ، واشتغل فيما بعد في إحدى الشركات العاملة في قطاع المناجم في كيندو من مقاطعة كيفو لفترة من الزمن ، التحق بعدها بمعهد متخصص في البريد والبرق والهاتف في ليوبولدفيل “كينشاسا حاليا” ، وتخرج منه محاسباً وعمل في هذا المجال ، وخلال فترة عمله هذه التي امتدت أحد عشر عاماً بدأت مواقف الرفض والمعارضة للاستعمار البلجيكي الجاثم على بلاده تتشكل وتتبلور في ذهنه ، . وتدفعه للتمرد على سياسات وممارسات هذا الاستعمار القاسية ضد مواطني بلاده , فأسّس رابطة لمستخدمي البريد وقاوم سياسة التمييز وناضل في سبيل تحقيق الاندماج والمساواة بين البلجيكيّين والكونغوليّين , ومن ثم انطلقت نضالاته للتحرر من الاستعمار .

 

1-17-2015-8-20-13-PM

العمل السياسي ووصوله للسلطة

في أغسطس عام 1958 تفرغ لومومبا للعمل السياسي، وفي شهر أكتوبر عام 1958 أخذت مسيرة كفاح  لومومبا منعرجاً جديداً وتصعيداً واسعاً ، كشف من خلاله عن دوره النضالي الريادي لقيادة حركة تحرير بلاده من الاحتلال ، وأسس في تلك الأثناء الحركة الوطنية الكونغولية ، واستقطب إليها الكثير من أبناء الشعب الكونغولي ، حيث ذاع صيته ولمع نجمه ، كأحد أبرز مناضلي حركات التحرر في أفريقيا والعالم الثالث كله ، واستطاع ببراعته وشجاعته أن ينقل قضية تحرير بلاده وهموم ومطالب شعبه إلى المحافل والملتقيات الإقليمية والدولية ، ويدافع عنها باستماتة وإخلاص ، ويعرف بها الأفارقة الذين كانوا يعيشون ظروفاً واحدة ، ويتطلعون جمعياً لنيل الحرية والاستقلال .

وقد كان مؤتمر “أكرا” في ديسمبر عام 1958، الممهد لمنظمة الوحدة الإفريقية بمثابة أول ظهور لشخصيتيه على الساحة الإفريقية إذ تولّى الدفاع عن النزعة القوميّة الكونغوليّة ، وبعده مباشرة أسس حزب الحركة الوطنية الكونغولية من أجل المطالبة بالاستقلال .
خلال حضوره لمؤتمر عموم أفريقيا بالعاصمة الغانية “أكرا” بدعوة من المناضل الغاني الأفريقي الكبير كوامي نكروما ، عبر باتريس لومومبا عن تطلعات شعبه أصدق تعبير، ونال تقدير وتضامن ودعم ومساندة كل الحاضرين ، وقد تزود لومومبا من ذلك المؤتمر بشحنة نضالية إضافية ، أججتها روح التضامن والأخوة التي وجدها عند أشقائه الأفارقة ، وكانت خير سند له في تصعيد كفاحه ومقاومته للاستعمار البلجيكي ، إذ أنه وما إن عاد إلى وطنه الكونغو بعد تلك المشاركة الناجحة ، حتى بدأ في تنظيم حملة واسعة النطاق لتوسيع دائرة المقاومة والإسراع بتحقيق الاستقلال , ولكن لومومبا واجه عدد من اعتقالات تعسفية ومضايقات قمعية ورصد لحركاته وسكناته، آخرها كانت اعتقاله ستة شهور بعد تأسيسه الحركة الوطنية عام 1958م التي كانت أكبر حزب في الكونغو.

مع مطلع عام 1959 عمت البلاد ثورة شعبية عارمة قدم خلالها الشعب الكونغولي عشرات الضحايا ومئات الجرحى ، وأضطر ملك بلجيكا بودوان الأوّل مع اشتداد عنفوانها وتأثيرها إلى الموافقة على مبدأ الاستقلال ، ولكن تلك الموافقة الشكلية لم تكن كافية ومقنعة للشعب الكونغولي بقيادة باتريس لومومبا ، الذي واصل تصعيد ثورته في كل مدن وقرى البلاد .
مما دفع بقوات الاحتلال البلجيكي إلى اعتقال لومومبا ، والزج به في السجن في شهر نوفمبر من نفس العام ، في محاولة للقضاء على توجهاته التحررية وإنهاء دوره القيادي .
الحركة الوطنية وما حظيت من تجمعات غفيرة وشعبية جارفة وصل صداه إلي العواصم الأوروبية ، وأيقن المستعمر أن شرا محدقا قادم إليه فسعي لإجهاض التجربة وتشويه سمعة زعيمها، ورغم ذالك تمكنت الجماهير الوفية للمومومبا حمله إلي كرسي الحكم في أولي الانتخابات التي شهدتها الكونغو، لأن الشعب الكونغولي كان يرى أن الحركة هي الوحيدة الجديرة بأن يدلي صوته لصالحها، ولو لم يجهض الغرب إرادة الشعب لكنا رأينا اليوم الكونغو أفضل وأحسن، لا تقودها المصلحة وإراقة الدماء .

الانتخابات الكونغولية

أجريت انتخابات نيابية في مايو/ أيار 1960 تنافس فيها أكثر من مائة حزب، وحققت الحركة الوطنية بقيادة لومومبا نجاحا ساحقا وحصل على حوالي 90% من الأصوات. وحاولت بلجيكا التي كانت تدير البلاد إخفاء النتائج وإسناد الحكم إلى حليفها جوزيف إليو خاصة أن منصب رئيس الوزراء هو المتحكّم في شئون البلاد؛ حيث يُعتبر منصب الرئيس منصبا شرفيا، وكان الرئيس آنذاك يُحابي الاحتلال على حساب شعبه، ولكن الضغط الشعبي وحفاظاً على ماء وجههم إمام الرأي العام الأوروبي، أجبرت بلجيكا على تكليف لومومبا بتشكيل الحكومة في 21 يونيو عام 1960 .

الدموع والدم والنار
بدأت بوادر التباعد والانشقاق بين لومومبا وبين بلجيكا بعد تأسيسه للحزب وما تلتها من الاعتقالات لقادة الحزب وكوادر النضال، ولكن خطبة الاستقلال الملتهبة التي ألقاها لومومبا في 30 يونيو 1960 “الدموع والدم والنار” كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، لأنها كانت خطبة نارية شديدة اللهجة أرّخت وبشكل جذري مآسي الشعب ونضاله ضد العدو وحكت وبإسهاب ثمانيين عاما من الاضطهاد والتنكيل ومصادرة الحقوق والحياة للإنسان الكونغولي، وذكر في خضم خطبته أنه آن الأوان ليرحل المستعمر ويستلم الشعب زمام أمور وطنه، وحملت هذه الخطبة العلقم والمرارة للمحتل وأغضبت ناظر الاستعمار وممثل بلجيكا في الحفلة، ورأي أنها خطبة تفتقر إلي اللباقة السياسية والمرونة الدبلوماسية وتحرض الناس إلي الحماقات وتقود البلد إلي الفوضى التي لا يعرف منتهاها .
حيث قال لومومبا في خطبته الشهيرة ” أيها المناضلون من أجل الاستقلال وأنتم اليوم منتصرون، أتذكرون السخرية والعبودية التي فرضها علينا المستعمر؟ أتذكرون أهانتنا وصفعنا طويلا لمجرد أننا زنوج في نظره ؟ لقد استغلوا أرضنا، ونهبوا ثرواتنا، بقانون وضعه الرجل الأبيض منحازا انحيازا كاملا ضد الرجل الأسود ، لقد تعرضنا للرصاص والسجون وذلك لمجرد أننا نسعى للحفاظ على كرامتنا كبشر”
حملت الخطبة إلي الجموع الكونغولية الحاشدة نسائم الحرية وتباشير جميلة لغد أجمل وحروف التحرر وكلمات الاستقلال الحقيقي، والانتفاضة لإيجاد الحقوق المهدورة ورمي رداء الخنوع والذل والبحث عن الحرية وبكل السبل المشروعة

ولكن الجمهورية الوليدة لم تنعم بالاستقرار والأمن المنشود، ولم تستطع الاستفادة من خيراتها الطافحة كما أراد لومومبا، ولم يتسن للشعب التنعم بحياة كريمة في داخل وطن يسوده الحب والوئام والوطنية ، حيث بدأ في الأسبوع الثاني من الحرية تمرد عسكري في الجيش وتضعضع أمني في الداخل وضائقة اقتصادية مقصودة وبلبلة تقودها الحركات التابعة للمستعمر، وأنفصل إقليم كتانغا أهم إقليم في الكونغو بدعم من بلجيكا .

وإزاء هذه الفوضى الخلاقة والوضع المزري الذي لا يقبل مزيدا من الانتظار والتفرج علي التمرد علي الشرعية، حاول رئيس الوزراء المنتخب إصلاح البلاد وفرض هيبة الدولة ، ولكنه كان وحيدا في بيئة موبؤة بالتبعية والرشاوى، وكان يفتقر إلي السند الحقيقي إذ كان جميع القوى المؤثرة في اللعبة السياسية مثل الجيش والإعلام والاقتصاد علي أيدي المستعمر، الذي كون دولة عميقة في الكونغو، ولم تقتصر المؤامرة في الداخل بل كانت معظم القوى المحلية والخارجية موالية للمستعمر وأذنابه .

وصل التوتر مداه حينما حاول الرئيس الذي كان منصبه شرفيا إسقاط الحكومة المنتخبة وإقالة باتريس لومومبا، وحينما تتابعت الإنفصالات التي يشهدها الوطن وتفاقم الوضع أستنجد لومومبا بالأمم المتحدة كحل أخير لإنقاذ الكونغو من الهلاك المحدق وتشويه الجغرافيا الذي يتسارع بوتيرة رهيبة وحدّة سريعة ولكن ومن الأسف كان الزمن متأخرا لا يسعف باتريس وتطبيق سياساته الوطنية، وكان البوق المرتزقة وكعادته أسرع إلي الهدم ويقف إلي جانب المحتل لتدمير بلده .
تدخلت الأمم المتحدة ضد لومومبا وبإيعاز من الأمم المتحدة والحامية السويدية الموجودة في الكونغو فتخلى عنه عدد من حلفائه وقام رئيس الجمهورية كازافوبو بإقالة حكومة لومومبا المنتخبة ولكن
الأخير رفض تنفيذ القرار بدعوى أنه غير شرعي ، فاستولى قائد الجيش الكونغولي الكولونيل جوزيف موبوتو على السلطة في انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في أفريقيا في هذا الوقت وقد دشن موبوتو عصراً كاملاً من الانقلابات العسكرية التي عمت أفريقيا منذ ذلك التاريخ .
وقد كان أول ما قام به موبوتو، بعد نجاح انقلابه ، هو إلقاء القبض على لومومبا وعلى اثنين من أهم رفاقه، هما نائب رئيس مجلس الشيوخ جوزيف أوكيتو ووزير الإعلام موريس موبولو.
أدرك لومومبا انه عرضة للاغتيال في إي لحظة حتى أنه نقل عنه قوله “إذا مت غداً فسيكون السبب أن أبيض قد سلح أسود ” .

.وسيق الثلاثة تحت التعذيب إلى مكان إعدامهم رمياً بالرصاص في مقاطعة كتانغا.

33_1438979106_2047
اغتيال لومومبا

نقل لومومبا ورفاقه إلى سجن بلجيكي , وفي تاريخ 17 يناير 1961 حوالي الساعة العاشرة ليلاً، دُفع بالسجناء لومومبا ورفاقه في سيارة من الموكب المؤلف من أربع سيارات أمريكية وسيارتي جيب .
انعطف الموكب نحو اليمين تجاه مفرق الطريق القريب ، وبعد عدة مئات من الأمتار، أخذ مساراً ضيقاً إلى اليسار، يؤدي إلى الطريق الذي يصل لوانو باليزابتفيل.
انطلقت السيارات الأمريكية بسرعة ، وصل الموكب إلى فسحة في الأراضي المشجرة كانت الساعة العاشرة وخمسة وأربعين دقيقة ليلاً ؛ استغرقت مسافة الخمسين كيلومتراً أقل من 45 دقيقة من السجن
كانت البقعة منارة بالأضواء الأمامية لسيارة الشرطة التي كان يسوقها المفوض البلجيكي فرشير ، تم  إخراج السجناء من السيارة كانوا حفاة لا يرتدون سوى بناطيلهم وستراتهم أزال فرشير قيودهم ، وسار وراء لومومبا الذي سأله : ستقتلوننا ، أليس كذلك ؟ رد فرشير ببساطة : نعم.
تقبل لومومبا بجرأة إعلان موته الوشيك .
تم اعدم لومومبا ورفاقه رميا بالرصاص بعد بضع ساعات على يد كتيبة إعدام يقودها ضابط بلجيكي، وتم التخلص نهائيا من الجثث بعد أربعة أيام بتقطيعها إلى قطع صغيرة وإذابتها في حمض الكبريتيك.
ونفذ هذه المهمة ضابط شرطة بلجيكي يدعى جيرارد سويت، وكان الحمض في شاحنة مملوكة لشركة تعدين بلجيكية .

ما زال لومومبا حلماً للجماهير في الكونغو، فهو لم يغتل كشخص, ولكن تم اغتياله كفكرة وحلم الفكرة ببساطة هي قيام دولة الكونغو الحرة المستقلة غير المنحازة والمؤمنة بالوحدة الأفريقية.
فاغتيال لومومبا قد لا يختلف كثيرا عن تصفية سلفادور اليندي او جيفارا وزعماء آخرين وقفوا في وجه الاحتلال والسيطرة الأجنبية .

موضوعات متعلقة

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked with *

Cancel reply

أحدث الموضوعات

الكتاب الاكثر تفاعلا

الموضوعات الاكثر تعليقا

فيديوهات مميزة